أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

جنائب ، وأكثر ما يجرّ الأمير في الحضر جنيبان ، وفي السفر يتعاطى كلّ أحد منهم قدر طاقته . وأما اتصال الأخبار بالسلطان ، فذكر قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ : أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال : فأحوال الرعيّة له ناس يخالطون الرعيّة ، ويطَّلعون على أخبارهم ، فمن اطَّلع منهم على شيء أنهاه إلى من فوقه ، وينهيه الآخر إلى من فوقه حتى يتّصل بالسلطان . وأحوال البلاد النائية لاتصال الأخبار منها من السرعة ما ليس في غيرها من الممالك ، وذلك أن بين أمّهات الأقاليم وبين قصر السلطان أماكن متقاربة ، مشبّهة بمراكز البريد بمصر والشأم إلا أن هذه الأماكن قريبة المدى بعضها من بعض ، بين كل مكانين نحو أربع غلوات سهم أو دونها ، في كلّ مكان عشرة سعاة ممن له خفّة وقوّة ، ويحمل الكتب بينه وبين من يليه ، ويعدو بأشدّ ما يمكنه إلى أن يوصّله إلى الآخر ليعدو به كذلك إلى مقصده ، فيصل الكتاب من المكان البعيد في أقرب وقت . وفي كلّ مكان من هذه الأمكنة مسجد وسوق وبركة ماء . وبين دلَّي وقبّة الإسلام اللتين هما قاعدتا المملكة طبول مرتّبة في أمكنة خاصّة ، فحيثما كان في مدينة وفتح باب الأخرى أو أغلق يدقّ الطبل ، فإذا سمعه ما يجاوره دقّ ، فيعلم خبر فتح المدينة وفتح باب الأخرى وغلقه .